languageFrançais

من سيموّل إنعاش قطاع النفط الفنزويلي؟

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن السيطرة على الاحتياطيات النفطية الضخمة في فنزويلا، وفتح المجال أمام الشركات الأمريكية لاستثمار مليارات الدولارات فيها، ملف النفط الفنزويلي إلى صدارة الجدل الدولي، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة تشهدها البلاد.

وتملك فنزويلا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أكبر احتياطي نفطي تقديري في العالم يناهز 303 مليارات برميل، أي ما يقارب خُمس الاحتياطي العالمي، غير أن هذا المخزون الهائل يقابله قطاع نفطي متهالك يعاني منذ سنوات من سوء الإدارة، وضعف الاستثمارات، والعقوبات الدولية، مما أدى إلى انهيار الإنتاج وتراجع العائدات.

وخلال مؤتمر صحفي بفلوريدا، عرض ترامب رؤية تقوم على توظيف رأس المال والخبرة الأمريكية لإعادة بناء البنية التحتية النفطية، معتبرا أن أي تغيير سياسي في كاراكاس من شأنه أن يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، إلا أن هذه الرؤية تصطدم بتحديات مالية وسياسية معقدة.

كلفة مرتفعة وقطاع متهالك

رغم أن فنزويلا كانت في سبعينيات القرن الماضي من كبار منتجي النفط بإنتاج بلغ نحو 3.5 ملايين برميل يوميا، فإن إنتاجها تراجع تدريجيا ليبلغ في 2024 حوالي 1.1 مليون برميل يوميا فقط، أي قرابة 1% من الإنتاج العالمي. وتشير تقديرات شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) إلى أن تحديث البنية التحتية المتقادمة، التي لم تُحدّث منذ نصف قرن، يتطلب استثمارات تصل إلى 58 مليار دولار، فيما قد تكلف العودة إلى مستويات إنتاج تسعينيات القرن الماضي أكثر من 8 مليارات دولار.

من يتحمّل فاتورة التأهيل؟

ورغم حديث ترامب عن استعداد الشركات الأمريكية الكبرى لضخ استثمارات ضخمة، يبقى السؤال مطروحا حول مدى استعداد هذه الشركات للمجازفة في بيئة سياسية غير مستقرة، وفي ظل غياب ضمانات قانونية وأمنية واضحة، إذْ أن شركات مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"كونوكو فيليبس" تمتلك الخبرة التقنية، لكنها تتريث بسبب العقوبات، والمخاطر الأمنية، واحتمالات الاضطراب السياسي.

ويرى محللون أن أي عودة قوية للاستثمار الأجنبي ستظل مشروطة برفع العقوبات، وتعديل القوانين الفنزويلية بما يسمح بملكية أوسع للشركات الأجنبية، وضمان حد أدنى من الاستقرار.

كما يحذر خبراء من أن فشل الانتقال السياسي قد يفضي إلى مقاومة طويلة الأمد تُقوّض أي خطط استثمارية.

الشركات المحتملة والصراع الجيوسياسي

تُعد "شيفرون" في موقع متقدم، إذ تسهم حاليا بنحو 20% من إنتاج فنزويلا النفطي بفضل إعفاءات أمريكية من العقوبات.

كما تملك "إكسون" و"كونوكو فيليبس" تاريخا طويلا في البلاد، رغم انسحابهما سابقا بعد تأميم أصولهما.

ومازالت شركات أوروبية مثل "ريبسول" و"إيني" حاضرة في مشاريع مشتركة مع الشركة الوطنية.

في المقابل، تبرز الصين كطرف رئيسي في المعادلة، فهي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي وأكبر دائن لكاراكاس، إذ تستحوذ على نحو 80% من صادراتها النفطية.

وتمتد مصالح بكين من القروض الضخمة المرتبطة بالنفط، إلى تجهيز مصافيها لمعالجة الخام الفنزويلي الثقيل، وصولا إلى البعد الجيوسياسي المرتبط بسلاسل الإمداد العالمية.

أزمة تتجاوز حدود فنزويلا

تكشف التطورات الأخيرة أن ملف النفط الفنزويلي لم يعد شأنا اقتصاديا داخليا، بل تحوّل إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وشركات الطاقة العالمية.

وبين كلفة التأهيل الباهظة، وتعقيدات التمويل، وحساسية التوازنات الدولية، يبقى مستقبل النفط الفنزويلي رهين قدرة الأطراف المعنية على تجاوز صراعات السياسة وبناء حد أدنى من الاستقرار في بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، لكنه يفتقر إلى شروط استثمارها.

غفران العكرمي 

اقرا أيضا

share